الميدان الرياضي : أبو عبيد يكتب: خصخصة الأندية والاستحواذ الرياضي
التاريخ : 2026-05-24

أبو عبيد يكتب: خصخصة الأندية والاستحواذ الرياضي

لم تعد الرياضة في العالم الحديث نشاطاً ترفيهياً أو منافسة موسمية تنتهي بصافرة حكم، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً متكاملاً يرتبط بالاستثمار والتشغيل والسياحة والهوية الوطنية وصناعة الصورة الذهنية للدول.

وفي الأردن، يكثر الحديث اليوم عن خصخصة الأندية والاستحواذ الرياضي، لكن القليل فقط يدرك أن الاستثمار الحقيقي في الرياضة لا يبدأ بشراء نادٍ أو تمويل فريق، بل يبدأ ببناء منظومة قانونية واقتصادية وتشريعية متكاملة قادرة على تحويل الرياضة من عبء مالي إلى قطاع إنتاجي مستدام.
ومن هنا، فإن النقاش حول خصخصة الأندية يجب أن ينتقل من الطرح العاطفي أو الجماهيري إلى الطرح المؤسسي الوطني القائم على فهم عميق لطبيعة الأندية الأردنية ودورها التاريخي والاجتماعي والثقافي.
لقد طرحت قبل سنوات، وفي أكثر من لقاء إعلامي، فكرة الخصخصة الجزئية للأندية، وليس الخصخصة الكاملة. والمقصود بذلك أن تبقى الأندية ككيانات وطنية واجتماعية وثقافية تمثل جماهيرها وهيئاتها العامة، مع إمكانية تحويل بعض الأنشطة الاحترافية وفي مقدمتها كرة القدم إلى شركات مستقلة تعمل وفق أسس الحوكمة والاستثمار والإدارة الحديثة.
إن الفكرة لا تقوم على بيع الأندية أو إنهاء هويتها، بل على إنشاء ذراع استثماري احترافي لنشاط كرة القدم، تنتقل إليه حقوق الإدارة والعقود والانتفاع وفق إطار قانوني واضح، وبما يحفظ للنادي الأم شخصيته وكيانه التاريخي ودوره المجتمعي.
وفي هذا النموذج، تصبح الهيئة العامة صاحبة القرار في منح حق إدارة النشاط الرياضي لشركة متخصصة، ويفضل أن تكون شركة مساهمة خاصة أو مساهمة عامة مستقبلاً، تخضع للحوكمة والإفصاح والرقابة المالية، بما يضمن الاستدامة ويشجع المستثمرين المحليين والأجانب على الدخول إلى هذا القطاع بثقة ووضوح.
لكن الحديث عن الخصخصة لا يمكن أن يبقى مجرد شعارات براقة، لأن الواقع التشريعي والتنظيمي يكشف عن تحديات حقيقية ومعقدة تحتاج إلى معالجة شاملة قبل الانتقال إلى أي نموذج احترافي.
فتحويل نشاط كرة القدم إلى شركة استثمارية يعني تلقائياً خضوع هذه الشركات لضريبة الدخل وضريبة المبيعات والرسوم المرتبطة بعقود اللاعبين الأجانب، إضافة إلى الالتزامات المتعلقة بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وحقوق العاملين واللاعبين باعتبارهم موظفين ضمن شركات رياضية احترافية.
كما أن هناك تحديات قانونية وتنظيمية مرتبطة بازدواجية شمول اللاعبين بالضمان الاجتماعي، خصوصاً لأولئك المرتبطين بوظائف حكومية أو مؤسسات رسمية، إضافة إلى الحاجة لإعادة تعريف العلاقة القانونية بين اللاعب والنادي والشركة المالكة للنشاط.
وهنا تحديداً تظهر أهمية الرؤية التي تحدث عنها معالي وزير الشباب، عندما أشار بوضوح إلى أن نجاح مشروع الخصخصة لا يرتبط بالرغبة فقط، بل بتهيئة البيئة التشريعية والمؤسساتية القادرة على حماية الاستثمار الرياضي وتحفيزه.
فالرياضة لا يمكن أن تتحول إلى قطاع اقتصادي منتج دون وجود منظومة متكاملة تشمل:
تشريعات ضريبية مرنة،حوافز استثمارية،حماية قانونية، بنية تحتية حديثة،
ونظام حوكمة قادر على خلق الثقة بين الدولة والمستثمر.
ومن هنا، فإن الأردن بحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة تتعامل مع الرياضة باعتبارها جزءاً من مشروع التحديث الاقتصادي، وليس مجرد ملف شبابي أو نشاط موسمي.
ولعل من الأنسب في المرحلة الأولى أن يتم تطبيق نموذج تجريبي مدروس، بحيث تتولى شركات وطنية كبرى أو صناديق استثمارية شبه حكومية إدارة النشاط الكروي في عدد محدود من الأندية المحترفة لفترة انتقالية تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، قبل فتح المجال أمام الاستثمار المحلي أو الأجنبي المباشر.
إن هذا النموذج سيمنح الدولة فرصة لاختبار التشريعات والحوكمة والبيئة التشغيلية، كما سيمنح المستثمرين الثقة بوجود نموذج ناجح وقابل للتوسع، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة أو التجارب المرتجلة.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب وطنية قطعت شوطاً مهماً في تطوير الحوكمة والإدارة الرياضية، كما يحدث اليوم في الحسين اربد حيث بدأت الأندية الأردنية تدرك تدريجياً أن النجاح الرياضي لم يعد منفصلاً عن الإدارة المؤسسية والانضباط المالي والاستدامة الاستثمارية.
ولا يمكن الحديث عن أي تحول اقتصادي حقيقي في الرياضة دون الإسراع في استكمال مشروع رابطة الأندية المحترفة، باعتبارها حجر الأساس في بناء منظومة كرة قدم حديثة تدار بعقلية تجارية وتنظيمية مستقلة، تحفظ حقوق الأندية وترفع مستوى الحوكمة وتساهم في تطوير المنتج الكروي الأردني.
إن الرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسة على بطولة، بل أصبحت صناعة وطنية متكاملة قادرة على خلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وتحريك قطاعات السياحة والإعلام والتسويق والبنية التحتية.
وإذا نجح الأردن في بناء نموذج رياضي احترافي متوازن يجمع بين الهوية الوطنية والحوكمة الاقتصادية، فإن كرة القدم الأردنية لن تكون فقط مشروعاً رياضياً ناجحاً، بل قصة نجاح اقتصادية وسيادية تعكس صورة الدولة الحديثة التي يقود مشروع تحديثها جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، ضمن رؤية تؤمن بأن الإنسان الأردني هو الاستثمار الحقيقي، وأن المؤسسات الحديثة هي الطريق نحو المستقبل.
فالرياضة الأردنية اليوم لا تحتاج إلى حلول مؤقتة، بل إلى قرار وطني شجاع ينقلها من مرحلة الدعم إلى مرحلة الصناعة، ومن عقلية الإنفاق إلى عقلية الاستثمار، ومن ردود الفعل إلى تخطيط طويل الأمد

 

 
 
عدد المشاهدات : [ 78 ]
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' الميدان الرياضي ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .